الصفحة الرئيسية

بحوث منشورة في دوريات محكمة

ندوات

مكتبة الفيديو والصوت

محاضرات

البوم صور

مواقع ذات صلة

 
 

الفكر الاسلامي خصائصه واتجاهاته المعاصرة والتحديات التي تواجهه
الفكر بفتح الفاء من فعل فكر يفكر فكراً، تقول : فكر في الأمر ، أعمل العقل فيه ،ورتب بعض ما يعلم ليصل به الى مجهول (1) كما يأتي الفكر بكسر الفاء والمعنى واحد وقال ابن منظور : والفتح فيه أفصح من الكسر (2).

أما الفكر في الإصطلاح فله معنيان، أحدهما خاص والثاني عام . فالمعنى الخاص هو أعمال العقل في الأشياء للوصول الى معرفتها . والمعنى العام يطلق على كل ظاهرة من ظواهر الحياة العقلية «3»

مفهوم الفكر الإسلامي



الفكر بفتح الفاء من فعل فكر يفكر فكراً، تقول : فكر في الأمر ، أعمل العقل فيه ،ورتب بعض ما يعلم ليصل به الى مجهول (1) كما يأتي الفكر بكسر الفاء والمعنى واحد وقال ابن منظور : والفتح فيه أفصح من الكسر (2).

أما الفكر في الإصطلاح فله معنيان، أحدهما خاص والثاني عام . فالمعنى الخاص هو أعمال العقل في الأشياء للوصول الى معرفتها . والمعنى العام يطلق على كل ظاهرة من ظواهر الحياة العقلية «3»

أما مصطلح الفكر الإسلامي فقد جاءت هنالك تعريفات عدة فقد عرفه الدكتور محسن عبد الحميد بقوله :(مصطلح الفكرالإسلامي من المصطلحات الحديثة وهو يعنى كل ما أنتجه فكر المسلمين منذ مبعث الرسول صلى الله عليه وسلم الى اليوم في المعارف الكونية العامة المتصلة بالله سبحانه وتعالى والعالم والإنسان، والذي يعبر عن اجتهادات العقل الإنساني لتفسير تلك المعارف العامة في إطار المبادئ عقيدة وشريعة وسلوكاً «4»

تحدث د. الترابي عن الفكر الإسلامي ضمن حديثه عن التجديد حيث وضح أن الفكر هو عمل المسلمين يطرأ عليه ما يطرأ على سائر الحادثات (ولربما يتساءل المرء هل يتجدد الفكر الديني؟ أليس الدين حقائق ثابتة لا تتغير من حين الى حين؟بلى ذلك حق في شأن حقائق الإسلام ولكن الفكر عمل المسلمين في تفهم الدين وتفقهه وذلك كسب بشري يطرأ عليه مايطرأ على سائر الحادثات من التقادم والبلى والتوالد والتجديد«5» وعرفه ديمفيفي « فالفكر الاسلامي هو هذه الحصيلة من الموضوعات التي تخاطب العقل البشري فيما يمس عالمنا الواقعي الموسوم بعالم الشهادة ويدفع الى التأمل والملاحظات والنظر فيما يتعلق بقضايا العقيدة والعبادة والقيم والنزعات والأخلاقيات في الإسلام «6».

بالرجوع الى مصطلح الفكر الإسلامي من حيث المجالات فنجد أنه ينقسم الى قسمين ، القسم الأول : وفيه مجال الفكر الإسلامي واسعاً بينما القسم الثاني نجد فيه مجال الفكر الإسلامي ضيقاً. فالمجال الواسع للفكر الإسلامي يشمل جميع إنتاج فكر المسلمين من البعثة الى يومنا هذا ، أما الضيف فهو الذي يشمل جوانب معينة وهو الفلسفة الإسلامية وعلم الكلام والتصوف وأصول الفقه وغير ذلك مما يدخل في التراث الإسلامي «7».

مما سبق يتبين الفرق بين الفكر الإسلامي والإسلام باعتبار ان الاسلام هو من عند الله لا مجال فيه لإجتهاد بشري بينما الفكر يجتهد فيه العقل البشري فيخطئ ويصيب.

أما مصادر الفكر الإسلامي وأصوله فهي القرآن والسنة واجتهادات علماء المسلمين «8».

اتجاهات الفكر الاسلامي المعاصرة تتنازع العالم الإسلامي المعاصر ثلاثة تيارات فكرية تمثل هذه الإتجاهات المرجعية الفكرية المعاصرة. حيث نجد أول هذه التيارات تيار التقليد ومنطلق هذا التيار هو فكر الســلف الذي مر بابتلاءات ان تعقده تارة وتجعله ينهض تارة اخرى (فكر السلف مر بمراحل انحطاط وانتهاض )(9) ليستسلم أخيراً بالركون الى الجمود وعدم التجديد ليستقي منه الآن هؤلاء السلفيون.

وكما يذكر د. محمد عمارة «منطلقات هذا التيار ومنابعه هي فكر أسلافنا الذى تبلور في عصور التراجع لحضارتنا الإسلامية على وجه الخصوص والتحديد فأهله ومؤسساته لايعرفون كثيراً عن حقيقة المنابع الجوهرية والنقية لفكر الحضارة الإسلامية. لايهتمون كثيراً بإبداع عصر الإزدهار لهذه الحضارة». (10)

يمكن أن يقسم أصحاب هذا التيار الى فصائل، تضم المؤسسات التعليمية الموروثة كالأزهر والطرق الصوفية والنصوصيين، فهؤلاء ومهما قيل عنهم وعن جمودهم ونأيهم بأنفسهم عن التجديد، إلا أن الفضل أيضاً يعود إليهم في حفظ التراث الديني كما ورثوه ،دون زيادة أو نقصان ولكنهم أيضاً سبباً في جمود الفقه الإسلامي وقد تحدث الشيخ محمد عبده عن الأزهر وأبنائه في عصره «أنهم لا يتعلمون في الأزهر إلا بعض المسائل الفقهية وطرفاً من العقائد على نهج يبعد عن حقيقتها أكثر مما يقرب منها وجل معلوماتهم تلك الزوائد التى عرضت على الدين ويخشى ضررها ولا يرجى نفعها، فهم أقرب للتأثر بالأوهام والإنقياد الى الوساوس من العامة، وأسرع الى مشايعتها منهم ،فبقاؤهم فيما هم عليه مما يؤخر الرعية». (11)

أما المؤسسات الصوفية فهي لا تجد وقتاً يصرفها عن روحانياتها حتى تضيف شيئاً إلى الفكر الإسلامي، كما أن صراعها مع النصوصيين قد استنفد ما تبقي من وقتها. وبذات القدر نجد أن جهود النصوصيين من ناحية قد ضاعت بين صراعها مع الخرافات التى حظيت بقدر كبير من عامة المسلمين وبين التأمل في صحة النصوص نفسها وقول ابن تيمية فيها. فعلى الرغم من نجاح النصوصيين في ميدان جلاء العقيدة إلا أنهم لم يقدموا شيئاً يذكر كإضافة للفكر الإسلامي وقد تحدث أيضاً الشيخ محمد عبده عن النصوصيين بأنهم «أضيق آفقاً» وأحرج صدراً من المقلدين فهم وإن أنكروا كثيراً من البدع ونحّوا عن الدين كثيراً مما أضيف إليه وليس منه إ،لا أنهم يرون وجوب الأخذ بما يفهم من لفظ الوارد والتقيد به دون التفات الى ما تقتضيه الأصول التي قام عليها الدين وإليها كانت الدعوة، ولأجلها منحت النبوة، فلم يكونوا للعلم أولياء ولا للمدنية أحباء». (12)

والي ذات الفهم ذهب د. الترابي «ومهما يكن الترتيب الرسمي لأصول الفقه - الكتاب والسنة والإجتهاد - فإن المعمول به حقيقة لدى المجتمعات الإسلامية التقليدية هو الرجوع أولاً الى أقوال أصحاب الحواشي والشروح من محرري الفقه ومدونيه ثم من خلال ذلك الى آراء أئمة الإجتهاد، ولا يتجاوز ذلك إلا قليل من العلماء. (13)

إن التيار التقليدي انكفأ على الماضي وترك الساحة الفكرية لأصحاب الهوى من عامة الجمهور وأصحاب الأغراض مما صنعه المستعمر فيما عرف بالتغريب.

أما التيار الثاني ضمن التيارات المعاصرة في الفكر الإسلامي اليوم هناك تيار التقليد للوافد الغربي «التغريب» فإن كان التيار الأول تيار تقليدي يتبع للسلف الصالح. اما هذا التيار تيار تابع للغرب، ويرى أن خلاص الأمة إنما بأخذ ذمام العلم والتكنولوجيا من الغرب ولا يتم ذلك إلا بأخذ الفكر الغربي، ويمثل سلامة موسى هذا التيار حيث يقول: «وإذا كانت الرابطة الشرقية سخافة، لأنها تقوم على أصل كاذب فإن الرابطة الدينية وقاحة فإننا أبناء القرن العشرين أكبر من أن نعتمد على الدين جامعة تربطنا نحن في حاجة إلى ثقافة أبعد ما تكون عن الأديان. وحكومة ديمقراطية برلمانية كماهي في أوروبا، وأن يعاقب كل من يحاول أن يجعلها مثل حكومة هارون الرشيد أو المأمون أوتوقراطية دينية.. انني كلما أردت خبرة وتجربة وثقافة توضحت أمامي أغراضي. يجب علينا أن نخرج من آسيا وأن نلتحق بأوروبا فإني كلما زادت معرفتي بالشرق زادت كراهيتي له وشعوري بأنه غريب عني وكلما زادت معرفتي بأوربا زاد حبي لها وتعلقي بها وزاد شعوري بأنها مني وأنا منها وهذا هو مذهبي الذي أعمل له طول حياتي سراً وجهراً فأنا كافر بالشرق مؤمن بالغرب». (14)

هذا هو رأي هذا التيار والذى عزز من جرأته تزعم المسيحيون الشوام له «ولقد كان رواد - مشروع اللحاق الحضاري - في هذا الطور من أطواره - مجموعة من المثقفين الموارنة الشوام الذين هاجروا الى مصر فراراً من السلطة العثمانية، الذين كانت تحركهم كراهية شديدة للدولة العثمانية وبغض دفين للإسلام». (15)

لقد تبلور تيار التغريب والإستلاب الحضاري حاملاً ثقافته الغربية لتحل محل الثقافة الإسلامية. حيث دعا الى العمل بالنموذج الغربي بغض النظر عما يحمل من أفكار تناقض الإسلام ولا تصلح لخدمة المسلمين، وقد كان هدف سلامة موسى واضحاً وضوح الشمس هو إخراج الأمة من آسيا «أي الإسلام» وحضارته والحاقها بالغرب حضارياً.

بين هذين التيارين «تيار التقليد للسلف والتقليد للغرب» هنالك تيار عرف بتيار الإحياء والتجديد ،ينادي هذا التيار بتجديد الفكر والتراث الإسلامي ليتماشى مع الواقع، ويلحق بالتطور فيما لا يتنافى مع الإسلام. «ينبغي علينا لذلك أن ننهض بحملة فكرية جديدة لتسد هذه الثغرة الواسعة التي نشأت وما انفكت تتعاظم منذ القرن السابع ولنقضي علي الأعراف الراسخة من المذهبية العصبية والتقليدية الجامدة. ولكن عصبية التقليد تأبى أن تنفتح لمقتضيات التجديد وتؤدي الى قلق شديد إزاء كل تعبير جديد فضلاً عن المعنى الجديد وكثيراً ما نسمع من هؤلاء تنكيراً على كلمات معبرة بحجة أنها غير إسلامية ويغفلون عن أن إمكانات الحياة كلها خلقت لعبادة الله، ولو رأينا شيئاً منها لدى غيرنا فإن واجبنا أن نستولي عليه لنسخره لعبادة الخالق بعد أن كان مستخدماً لمعصيته، وكذلك الحكمة هي ضالة المؤمن يأخذها أنى وجدها، ويتوسل بها إلي ربه ولا نحتاج إزاء الأسلوب التعبدي الجديد أو المعنى الحكيم أو التجربة النافعة أو الأداة المادية الصالحة أن نطلب لها شاهداً من التاريخ أو سابقة من السلف». (16)

ان المنابع التي انطلق منها تيار الإحياء والتجديد تتمثل في مبادىء الإسلام وثوابت التراث الإسلامي وما أبدعه العقل الإنساني «وإذا كان تراث حقبة الجمود والتراجع في حضارتنا العربية الإسلامية قد كان بضاعة تيار التقليد للموروث، وإذا كان النموذج الحضاري الغربي قد مثل منابع ومنطلقات تيار التغريب فإن المنابع التى إنطلق منها تيار الإحياء والتجديد تمثلت في مبادىء الإسلام كما تمثلت في منابعه الجوهرية والنقية البلاغ القرآني، والبيان النبوي للقرآن الكريم، كما تمثل في السنة النبوية الثابتة، وثوابت التراث العربي الإسلامي التى مثلت قسمات الهوية الحضارية للأمة والتى حفظت لأجيالها تواصلها الحضاري ووحدتها كأمة عبر الزمان والمكان. وكل ما أبدعه العقل الإنساني في مختلف الحضارات، كما تمثل في الحقائق والقوانين التى مثلت وتمثل العلوم التي لا تتغاير موضوعاتها بتغاير الحضارات والمعتقدات أى العلوم الموضوعية المحايدة التى هي «مشترك انساني عام» متميز عن «العلوم الإنسانية» ومنها الثقافة التي تدخل الخصوصيات التى تتمايز فيها الحضارات . تلك كانت المنابع الفكرية لتيار الإحياء والتجديد». (17)

وهو مذهب الشيخ محمد عبده «لقد ارتفع صوتي بالدعوة الي تحرير الفكر من قيد، التقليد وفهم الدين على طريقة سلف الأمة قبل ظهور الخلاف والرجوع في كسب معارفه الى ينابيعها الأولى واعتباره من ضمن موازين العقل البشري التى وضعها الله لترد من شططه، وتقل من خبطه، وخلطه لتتم حكمة الله في حفظ نظام العالم الإنساني، وأنه على هذا الوجه يعد صديقاً للعلم، باعثاً على البحث في أسرار الكون، داعياً الى إحترام الحقائق الثابتة ،مطالباً بالتعويل عليها في أدب النفس وإصلاح العمل كل هذا أعده أمراً واحداً». (18)

هكذا يتحدث أنصار التجديد لنهضة الفكر الإسلامي وتقديمه كبديل حضاري للإنسانية عامة ولنهضة المسلمين خصيصاً.

خصائص الفكر الاسلامي

الربانية:

الفكر الإسلامي فهو ملتزم بمعالم الطريق الى الله حيث يهدي الى الله سواء كان سلوكاً أو اعتقاداً لتنتفي بذلك عنه صفة الهوى وعدم الموضوعية حيث يعتبر الفكر تفقه للشريعة الإسلامية «إن الفكر الإسلامي فكر ملتزم بمعالم الطريق الى الله وليس فكراً مجرداً أو هوى معربداً بل هو تفهم وتفقه للشريعة الإسلامية ... ففي الدين الحقائق الثابتة والمعاني التي اشترعها الله، كلية أو فرعية على وجه القطع والدوام، ولكن فيه فكر المسلمين الذين يأخذون تلك المعاني بالشرح ويقدمونها دعوة للآخرين أو يتفهمونها لكي يطبقوها في واقع معين» «19».

الربانية خصيصة من خصائص الفكر الإسلامي ويستمد منها الفكر الإسلامي قدسيته ومنها تتبلور سائر الخصائص الأخرى «المذكورة» كذلك .. فهو تصور اعتقادي موحى به من الله سبحانه ومحصور في هذا المصدر لا يستمد من غيره .. وذلك تمييزاً له من التصورات الفلسفية التي ينشئها الفكر البشري حول الحقيقة الإلهية أو الحقيقة الكونية أوالحقيقة الإنسانية والإرتباطات القائمة بين هذه الحقائق ، وتمييزاً له كذلك من المعتقدات الوثنية التي تنشئها المشاعر والأخيلة والأوهام والتصورات البشرية ...ويستطيع الإنسان أن يقول وهو مطمئن : إن التصور الإسلامي هو التصور الإعتقادي الوحيد الباقي بأصله (الرباني) وحقيقته الربانية «20».

يستدل سيد قطب على الربانية بقوله تعالى:(قل إنني هداني ربي الى صراط مستقيم).الأنعام«161»



الثبات :

وبما أن الفكر الإسلامي تتصدر خصائصه الربانية فلا بد لهذه الربانية أن تجعل من هذا الفكر ثابتاً لا تغيره الأهواء ولا تبدله المواقف شأن الفكر البشري. إن خاصية الثبات تظل ملازمة للفكر الإسلامي فثبات المصادر والأصول للفكر الإسلامي هي التي تنعكس على الفكر الإسلامي لتجعله فكراً ثابتاً (هناك ثبات في مقومات هذا التصور الأساسية وقيمه الذاتية . فهي لا تتغير ولا تتطور ، حينما تتغير ظواهر الحياة الواقعية وأشكال الأوضاع العملية.. فهذا التغير في ظواهر الحياة وأشكال الأوضاع يظل محكوماً بالمقومات والقيم الثابتة لهذا التطور ولا يقتضي هذا تجميد حركة الفكر والحياة ولكن يقتضي السماح لها بالحركة ، بل دفعها الى الحركة ولكن داخل هذا الإطار الثابت وحول هذا المحورالثابت ) «21».

إن الحقائق الثابتة في الفكر الإسلامي والتي لا تقبل الأخذ والرد وتتمثل في حقيقة وجود الله سبحانه وتعالى ، إن الكون بما فيه من خلقه تعالى، حقيقة الإيمان بالله وأركان الإيمان والإسلام وأركانه كل هذه الحقائق هي ثابتة ولا تقبل أي تغيير وتبديل.

إن خاصية الثبات هي التي تعصم الفكر الإسلامي من الإنحراف وتعصم المسلمين من الإنحطاط في المعتقد يقول الله تعالى:(فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون) الروم«30».

الشمول:

شمول الفكر الإسلامي إنما يعبر عن شمول الإسلام كنظام للحياة، يفي بمتطلبات الحياة في مجال العقيدة والإقتصاد والسياسة والقانون وسائر متطلبات الحياة المجتمعية، هذه المجالات جميعها سيغطيها الفكر الإسلامي (صلح الإسلام أن يكون منهج حياة شاملاً متكاملاً ، منهجاً يشمل الإعتقاد في الضمير والتنظيم في الحياة ،بدون تعارض بينها ، بل في ترابط وتداخل يعز فصله). «22» ويقول الله تعـــالى:(وكل شئ أحصيناه في إمام مبين)يس «12».

يقول د. الترابي في معنى الشمول :(ينبغي أن نحدث ثورة في تجديد فقهنا أو فكرنا الديني لنستدرك هذه المتأخرات عبر القرون الطويلة ولنضفي روح التدين على كل هذه القطاعات الجديدة من الحياة التي لا حكم اليوم للدين فيها . قد يعلم المرء اليوم كيف يجادل إذا أثيرت الشبهات في حدود الله ولكن المرء لا يعرف اليوم تماماً كيف يعبد الله في التجارة أو السياسة أو يعبد الله في الفن . كيف تتكون في نفسه النيات العقدية التي تمثل معنى العبادة ، ثم لا يعلم كيف يعبر عنها عملياً بدقة «23».

التوازن :

خاصية التوازن في الفكر الإسلامي هي التي تجعله فكر لا يجنح الى أحد طرفي النقيض فهي التي توازن بين مصادر المعرفة من وراء الغيب والشهادة بحيث تجعل المسلم لا يشتط في استيعابه لعالمي الغيب والشهادة، وعن طريقها يتوازن المسلم بين الخوف والرجاء فهو كما يقرأ قوله تعالى:(واتقوا الله واعلموا أن الله شديد العقاب). البقرة«196» وقوله:(إن الله بالناس لرؤوف رحيم)البقرة«143».

عن طريق التوازن أيضاً يعبد المسلم ربه بعيداً عن التطرف والرهبانية أو إهمال مايجب أن يقوم به من تكاليف، ليتخذ بين ذلك طريقاً متوزناً يؤدي ما عليه من فرائض وما يستطيع من سنن دون إفراط أو تفريط.

ويكون التوازن في الإنفاق حيث ينفق المسلم وهو يراعي جانب الإتزان قال تعالى:( ولا تجعل يدك مغلولة الى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوماً محسوراً)الإسراء«29».

يأتي التوازن أيضاً ضمن خلق الكون والإتساق الذي ينتظم الحياة قال تعالى:(ماترى في خلق الرحمن من تفاوت) الملك «3».

يذكر د. الترابي أن الفقه الإسلامي بدأ حياً باتحاد العقيدة والشريعة أي الباطن بالظاهر واتحاد المعاني والمقاصد مع صور الشعائر والعبادات ولكنه مالبث أن جنح الى التطرف دون آخر، أما اهتم بالشكل والمظهر وترك «الجوهر» أو العكس، ووجه التجديد هنا يعني بالضرورة أن يتكامل الإنسجام ويتواصل كما كان . وقد بدأ الفقه الإسلامي فقهاً حياً تتحد فيه العقيدة والشريعة وتتحد فيه المعاني والمقاصد مع صور الشعائر والعبادات، ولكن ظروف تطور طرأت عليه فادخلت فيه كثيراً من مظاهر الشكلية وبذلك احتاج تاريخ الفقه الإسلامي وتاريخ الدين ودائماً في دوراته الى حركات تجديد وتقويم . ان وجدته موغلاً في الباطنية والعقائدية استدعى الأمر أن يجدد أمره بتكثيف وسائل التعبير عنه لأن النفوس لا يمكن أن تمتلئ بالإيمان دون أن تفيض به في واقع الحياة اشكالاً وأعمالاً محددة . ولابد للفقهاء من رسم تلك الأشكال والقوالب وعمران واقع الحياة تعبيراًعن العقيدة التي تعمر بها الصدور)«24»

ان التوازن الذي يتحدث عنه د. الترابي بين الشكل والجوهر وهو نفس التوازن الذي تحدث عن ضوابط النظام التي تحكم الفكر حتى لا يصبح فوضى فالمطلوب التوازن هنا بين الضوابط المنظمة والطلاقة(وكذلك تدور على الفكر دورات التنظيم والطلاقة فلابد من ان تتوازن في كل فكر ضوابط النظام التي تحكم الفكر من ان يصبح فوضى ودواعي الطلاقةالتي تعصم الفكر من ان يتجمد(25) حيث يحدثان يتسع الاجتهاد وتتفرع شعاب المذاهب الفكرية وتكثر الاراء المختلفة حول مختلف المواضيع بذلك يجب الضبط والتوازن.

الواقعية :

الواقعية خاصية من خصائص الفكر الاسلامي واي فكر لا يتفاعل مع الواقع هو بالضرورة فكر مثال ،لا مجال له في عالم التطبيق. لذلك كان الفكر الاسلامي واقعيا يعبر عن الوجود بواقعيةعلى مستوى الكون المرئي، كما ان نظام العبادة هو الآخر واقعي يستطيع البشر ممارسة العبادة خلافا لبعض الشعائر المثالية التي يعجز البشر عن ادائها وان الله لا يكلف نفسا الا وسعها(لا يكلف الله نفسا الا وسعها) البقرة«285».

هذه الواقعية لا تقتصر فقط في مجال المحسوس والعبادة المفروضة ،بل تتجاوز ذلك حيث ان الخصام بين الواقع الطبيعي والعلم الشرعي لا اصل له بمعايير الاسلام ولابد لنا ان نحرر العلوم الطبيعية ونربطها بالدين رباط العالم بالعلمين معا ومن ثم نستطيع ان نواكب العصر مجددين للدين(فالعلم الطبيعي والعلم الشرعي فرعان من علم الدين ينبغي ان يتناصرا وان يتحدا ليتوحد العلم كله، ويوجه الى الله تعالى ويسخر لعبادته فوق الارض ولكن لما اقتصر علمنا في عصر من العصور على النقل تأخر فينا علم الطبيعة ،حتى استيقظنا على صراعات الغزو الفكري الاجنبي، ووردت الينا علوم الطبيعة اليوم وهي تحمل روحا تجافي الدين، مرده الى الصراع بين علوم الدين وعلوم الطبيعة او بين رجال الدين ورجال العلم في اوربا... لا يمكن ان نجتهد الا اذا تعلمنا علوم الطبيعة كما نتعلم الشريعة وبادوية الشريعة ،ومهما حصل لك من العلم الديني بمعالجات الشريعة وبادويته السريعة، فلابد لك من تشخيص المجتع لتعلم الداء ثم تقدر ما هو الدواء الشرعي المعين الذي يناسب ذلك المجتمع، وذلك يتسدعيك ان تدرس المجتمع دراسة اجتماعية واقتصادية وان تدرس البيئة الطبيعية، دراسة فيزيائية وكيميائية حتى تستطيع ان تحقق الدين باكمل ما يتيسر لك(26)

رؤيته هنا ان التجديد في الفكر الاسلامي لا يتم بمناي عن الواقع العلمي والدراسة للمجتمع، بحيث يراعي الفقيه الظرف الاجتماعي والاقتصادي والبيئة ودارستها دراسة فيزيائية وكيميائية ومن ثم يستطيع الفقيه ان يصدر حكمه وفقا لما تترتب عليه محصلة هذه الدراسة أن الدين نفسه لا يقوم الا بتكامل العلوم الشرعية والطبيعية.

تحديات الفكر الاسلامي:

نشأ الفكر الإسلامي في حضانة الدعوة الإسلامية وجذوره مستمدة من القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة وتاريخ الإسلام تباعاً من لدن الخلفاء إلى آخر المجددين للفكر الإسلامي لتمثل كل هذه المعطيات المرجعية الكاملة للفكر الإسلامي وهو بذلك لم يكن فكراً مبتوراً لا أصل له، شأن بقية الأفكار الوضعية. «وقد كانت قواعد الفكر الإسلامي الأساسية قد بدأت ونمت في حياة الرسول صلي الله عليه وسلم مستمدة من القرآن وأن هذه القواعد لم تتغير من بعده ولم تجد أية إضافة إليها فظلت في قيمتها الأساسية كما جاء بها وحي السماء وقامت سنن النبي صلى الله عليه وسلم في تفسيرها وتطبيقها، انما جرت حركة العمل من داخل الإطار الذى رسمه القرآن ولقد كان نضال المسلمين ضد الفلسفات اليونانية والفارسية والهندية تجربة قاسية انتهت بانتصار الإسلام بمفهوم «السنة الجامعة» وهزمت جميع، محاولات السيطرة والإحتواء والغزو الفكري بلغة العصر وبقيت الحقائق الأساسية». (27)

فإن كانت ثمة تحديات واجهت الفكر الإسلامي في بواكير الدعوة الإسلامية وعهدها الأول، إثر انفتاحها نحو المجتمعات الأخرى التى لها معتقداتها التى تختلف عن الإسلام فإن تحديات الفكر السلامي المعاصرة لا تقل ضراوة عن التحديات السابقة بل تتفوق عليها في التعقيدات بحكم إنتشار العلم ووسائطه وصيرورة العالم قرية واحدة.

يمثل نشاط المستشرقين جانباً من التحديات التى تواجه الفكر الإسلامي « اثار المستشرقون الشبهات حول الإسلام والتشكيك في طبيعته التى ميزته عن سائر الأديان باعتباره منهج حياة ونظام مجتمع وإثارة والشبهات حول نبي الإسلام». (28)

تأتي خطورة الإستشراق في أنه يخاطب طبقات مثقفة من أبناء المسلمين لذلك كانت نتائجه في الجانب العقدي لها أثرها على الفكر الإسلامي.

كما يمثل الغزو الفكري تحدياً آخر للفكر الإسلامي حيث ينفث سمومه التى تخالف الفكر الإسلامي وتتناقض مع السلوك الإسلامي فمذاهب كالماركسية والوجودية والفرويدية تدعو الى أفكار تناقض القيم الإسلامية «وتحاول المذاهب الوجودية والفرويدية أن تشكك في ثبات القيم الأخلاقية وارتباطها بالإنسان والدعوة الى أخلاق تختلف باختلاف البيئات ويدخل في هذا تلك النظريات التى طرحها فرويد وسارتر ودوركايم. وأخطر ما يواجه المسلمين من هذه النظريات الوافدة المطروحة في أفق الفكر الإسلامي أن يظن البعض أنها علوم ومفاهيم علمية مقررة». (29)

من التحديات التي تواجه الفكر الاسلامي الدعوة إلي إثارة العصبية والعنصرية وإعلاء الأجناس، ويدخل في ذلك إذكاء الدعوة الى الأقليميات والقوميات الضيقة للقضاء على روح الوحدة الإسلامية. حيث طفحت على السطح إنعكاسات هذه الدعوات على ما عرف بالقومية العربية التى ظهرت كمنافس للحركات الإسلامية بالعالم العربي مما يعني بالضرورة إزاحة الفكر الإسلامي بل والتشكيك فيه «لقد كان هدف هذه الدعوة إعلاء شأن القوميات حتى في الأمم الإسلامية ذاتها فضلاً عن فصل هذه الأمم الإسلامية وفصل العرب عن الإمتداد الإسلامي، ومن أخطر التحديات التى واجهت الفكر الإسلامي احياء الماضي السابق للإسلام في البلاد العربية والإسلامية جميعاً، كالدعوة الى الفرعونية والفينيقية والآشورية والبابلية في البلاد العربية وإحياء تراث كورش في إيران أو الهندوكية في البلاد الهندية الإسلامية وغيرها في باقي أجزاء العالم الإسلامي، كمحاولة لإحياء تاريخ ما قبل الإسلام وحضارته وتراثه الوطني وتجديده». (30)

هذه الدعاوى تستهدف الفكر الإسلامي لأنها ببساطة تصرف المسلمين عن تراثهم الإسلامي إلى تراث جاهلي، لا صلة له بالإسلام البتة وتكمن خطورة مثل هذه الدعاوى وأثرها على الفكر الإسلامي، إذا علمنا أن كل العالم الإسلامي اليوم يمثل وبدوله الممتدة بقايا لأفكار جاهلية وبعودة المسلمين في هذه البلاد الى هذه الجاهلية فإنه لا يبقى للعالم الإسلامي ما يمكن أن يعتنقه من فكر، وتحت هذه المفاهيم يمكن أن ينعش التراث الشعبي الجاهلي في شكل فلكلور «وأدب شعبي» «جرت المحاولات لإحياء التراث الجاهلي والوثني تحت اسم الفلكلور أو الأدب الشعبي وهي احدى المحاولات التي استهدفت التأثير في نصاعة الفكر الإسلامي وروحه الربانية القرآنية الخالصة ،بإعلاء تلك الصور الساذجة التافهة من الأزجال والأغاني والمواويل والأمثال العامية والوثنية البائدة التى تتعارض مع سمو التراث الإسلامي العربي القائم على البيان العربي البليغ والمضمون السامي، وقد انتشرت هذه الدعوة في السنوات الأخيرة وشملت أقطاراً عربية وإسلامية عديدة وخدعت كثيراً من البسطاء والسذج. في محاولة لإحياء التراث الجاهلي والوثني الذي قضى عليه الإسلام. لأنه يتعارض مع مفهوم التوحيد الخالص». (31)

ومن التحديات التى يواجهها الفكر الإسلامي هو الإدعاء بأن الشريعة الإسلامية لا تصلح للتطبيق في العصر الحديث لأن الزمن قد تجاوزها، ليتم لهم بذلك فصل الدين كاعتقاد عن الجانب العملي والتطبيقي لمعاني هذا الإعتقاد حتى يصير بذلك الهدف الإستراتيجي الذي يسعى إليه المشككون للنيل من الفكر الإسلامي وذلك بفصله عن الواقع والحياة ليصبح شأنه شأن أى فكر وضعي يستخدم فقط لأغراض الديكور والبروتكول.

من المشكلات التي تواجه الفكر الإسلامي أيضاً نجد غياب المؤسسات العلمية والتربوية التى يمكن أن تقدم الفكر الإسلامي في صورته النقية الخالصة التي تجعله بديلاً حضارياً، وأن وجدت هذه المؤسسات نجدها أيضاً غير مواكبة لزمانها «ان المؤسسات التعليمية المختلفة قد أخفقت في أن تقدم للأمة الإنسان المسلم السوي، فالجامعات التي أقيمت على النمط الغربي في بلاد المسلمين لم تر أن مهمتها اعداد العالم المسلم في سائر فروع المعرفة.. وأما المؤسسات التعليمية التي أضيفت عليها الصبغة الشرعية كالأزهر والجامعات المماثلة أو الكليات والمعاهد المشابهة لكلياته ومعاهده، فهي وان نجحت بشكل محدود في أن تقدم للأمة بعض المتخصصين الجيدين في بعض العلوم الشرعية، إلا أنها قد عجزت في أن تقدم للأمة علماء مسلمين قادة ومفكرين ومجددين يستطيعون أن يقدموا الإسلام للأمة من خلال كلياته ومقاصده وغاياته ويواجهوا التحديات المعاصرة وينتصروا عليها ولذلك انحسر الفكر الإسلامي». (32)

ان التحديات التي تواجه الفكر الإسلامي تحديات شاملة تشمل كل أشكال الفكر الإسلامي لتصبح سبباً في إنحطاط الفكر الإسلامي كما عبر عن ذلك د. الترابي وحتى يتم تجديد هذا الفكر فإنه يحتاج لعمل كبير ووقفة جماعية «سوى أن تجديد الدين ينبغي أن تقوم به حركة وجماعة واسعة ولاسيما في عصرنا حيث الحياة قد تشعبت وأصبـح تجديد الفكـر أوسع وأكثـر تعقـيداً من أن يقــوم به رجـل واحـد مهمـا كـان دوره في دفع التجديد» (33)

من المشكلات التي تواجه الفكر الاسلامي صعوبة تجديد الفكر الإسلامي كما يرى د. الترابي أيلولة علم الأصول الى مجرد معلومات لا تهدي الى شىء وأيلولة الفقه الى التشعيب والتعقيد بلا جدوى وذلك كله نتاج الحياة الدينية التى جنحت نحو الإنحطاط كما يرى د. الترابي «لكن جنوح الحياة الدينية عامة نحو الإنحطاط وفتور الدوافع التي تولد الفقه والعمل في واقع المسلمين أديا إلى أن يؤول علم أصول الفقه الذي شأنه أن يكون هادياً للتفكير - الى معلومات - لا تهدي الى فقه ولا تولد فكراً وانما أصبح نظراً مجدداً يتطور كمــــا تطور الفقه كله مبالغة في التشعيب والتعقيد بغير طائل». (34)

إن مشكلات الفكر الإسلامي تكمن وراء الرقعة الإسلامية الممتدة مع إعتبار البيئات المختلفة وغياب مبدأ الشورى الذى يمثل أحد دعامات التجديد هذه الأسباب كانت بمثابة مشكلة من مشكلات الفكر الاسلامي . فقد اتسع المسلمون في الأرض وبسطوا سلطانهم الى مدى شاسع لكنهم لم يوافوا ذلك بما يقتضيه من تطوير أسباب الوحدة الجامعة، إذ إنتشرت جماهير الإسلام في الأقاليم البعيدة وعجزت الشورى الساريةعن أن تحيط بهم فتعطلت إجراءاتها العفوية القديمة لأن الظروف الجديدة كانت تستدعي تجديداً في طرائق الشوري لم يتح لمجتمع المسلمين» (35)

بالإضافة الي هذه التراكمات التاريخية التى تعتبر تحدياً للفكر الإسلامي نجد ان ثورة المجتمع التقليدي ضد التجديد تعتبر تحدياً آخر لأن التقليديين لا يكتفون بعدم التشجيع للتجديد فحسب بل يضعون العراقيل أيضاً لأى خطوة من شأنها التجديد «اننا نجابه تحدياً داخلياً من تلقاء مجتمعنا المسلم مما لم ننتبه إليه، ونتعلم كيف نعالجه فمجتمعنا يقوم بمفهومات وأعراف وصور تقليدية يؤمن أنها تمثل الدين ويغار من أدنى مساس بها، وعندما نحاول تجديد التدين وتبديل صورة الحياة الإسلامية الموروثة فمؤكد أن يثور المجتمع التقليدي بتصوراته وأوضاعه وما عهد من مذاهب وطرق أضفى عليها التراث قداسة وأضافها إلى جوهر الدين الباقي» (36)

يرى د. الترابي أن تمسك التقليديين بما يرونه فكراً إسلامياً خالصاً يعتبر تحدياً ومشكلة تقف أمام من يريد التجديد في الفكر الإسلامي.

إلى مثل هؤلاء تحدث الأستاذ البوطي مذكراً بضرورة تجاوز الصغائر لأحداث نهضة إسلامية حقيقة وهو يضرب بذلك مثلاً للثورة الفرنسية «لقد قامت الثورة الفرنسية وهي نموذج للثورة الناجحة في تاريخ العالم، فهل تظن أنها حصرت إهتمامها بهذا الشكل الساذج في معالم، الإصلاح الضيقة ووقفت عند حدودها المباشرة؟ انها لم تنجح إلا لأنها نظرت نظرة إصلاحية الى الحياة الفكرية والإنسانية انطلاقاً من القيم والمبادىء الخاصة بها بكل جذورها وجوانبها وتاريخها وآدابها». (37)

فإن كان د. البوطي يضرب مثلاً بفرنسا وكيف حققت ثورتها اعتماداً على فكرها وقيمها، فإن فكر المسلمين ومبادئهم هي الأحق بإحداث هذه النهضة ويرجع أسباب تخلف المسلمين الي عدم الإستقرار النفسي والفكري. الذي تسبب فيه المستعمر بغزوه لبلاد المسلمين «فقد الإستقرار النفسي والفكري من مجموع العوامل التي تشارك في التسبب في تخلفنا. فمن الطبيعي جداً أن تثور في حياة الأمم والشعوب أمثال هذه الإضطرابات عندما تمر حياتها الفكرية والإجتماعية في منعطف كالذي تمر به اليوم.. في هذا المناخ يتبدد الإشراق الفكري ويزول الإستقرار النفسي ويذهب الفرد ضحية الغشاوات التي تتجمع على صفحة الفكر. وهل الأمة أو المجتمع إلا الفرد المتكرر؟ فتتكاثف الحجب بينه وبين سبل العلم والإبداع ويظل دائراً وسط قوقعة التقليد والتمزق والأتباع». (38)

من أخطر ما يواجه الفكر الإسلامي اليوم هو ما عرف بتاريخية معاني وأحكام القرآن الكريم، باعتبارها معاني وأحكام تجاوزها الواقع الذي تطور، وعفا عليها التاريخ وهذا مالم يذهب اليه المستشرقون ،كن ذهب إليه أبناء الإسلام في جرأة واضحة ترى أن نصوص القرآن التى ربطت بأسباب نزول، مهمتها تتعلق بنصوصها ولا تدخل ضمن القاعدة الفقهية القائلة بعموم اللفظ وليس بخصوص السبب. وأمثال هؤلاء محمد سعيد العشماوي حيث يقول «فاحكام التشريع في القرآن الكريم ليست مطلقة ولم تكن مجرد تشريع مطلق فكل آية تتعلق بحادثة بذاتها فهي مخصصة بسبب النزول وليست مطلقة. وكل آيات القرآن الكريم نزلت على الأسباب - أى لأسباب تقتضيها ـ سواء تضمنت حكماً شرعياً أم قاعدة أصولية أم نظماً أخلاقية، انها أحكام مؤقتة ومحلية تنطبق في وقت محدد وفي مكان بعينه، وبوفاة الرسول صلي الله عليه سلم انتهى التنزيل وانعدم الوحي ووقف الحديث الصحيح وسكتت بذلك السلطة التشريعية الإلهية» (39)

تحدث علماء أسباب النزول عن هذه القاعدة التي تتحدث بأن العبرة بعموم اللفظ وليس بخصوص السبب ،وقد هاجم ابن تيميه أمثال هذا العشماوي واصفاً إياه بأنه غير مسلم ولا عاقل على الإطلاق «قولاً لايقول به مسلم ولا عاقل على الإطلاق». (40)

إن أمثال هؤلاء لا شك يمثلون تحدياً للفكر الإسلامي وذلك بتجريده عن أهم مقوماته وأصوله التى يستند عليها.

من التحديات التي يواجهها الفكر الاسلامي كما يرى د. محمد عمارة أن الفكر الإسلامي المعاصر يقع بين غلو الإفراط والتفريط حيث أن السلفيين بنصوصيتهم الحرفية يمثلون أحد أطراف النقيض في فهم الفكر الإسلامي، بينما تأتي جماعة التفريط العلمانيين لتمثل الطرف الآخر «فهناك النزعة النصوصية الحرفية التى مثلها (الحشويه) القدماء والتى يمثلها اليوم (السلفيون النصوصيون الحرفيون) الذين وقفوا عند ظواهر النصوص رافضين التأويل بإطلاق بل ومنكرين المجاز في النص الديني ومتخذين موقفاً غير ودي من (الرأى) و(النظر العقلي) في النصوص الدينية. وهناك النزعة (الباطنية الغنوصية) التي دعت الى لون من الغلو في التأويل والى تعميم هذا التأويل المغالي وغير المضبوط بضوابط العربية وثوابت الإسلام، فزعمت أن لكل ظاهرة باطــــناً ولكـــــــل تنزيل تأويل، حــتى لقد تجاوزت كل المعاني والأحكـام التي جاء بها القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف». (41)

خطورة هذا التحدي للفكر الاسلامي لانها نابعة من المسلمين «هكذا يواجه الفكر الإسلامي المعاصر فكر تيار الإحياء والتجديد في علاقة «النص» بـ «الإجتهاد» هذين اللونين من الغلو. غلو الإفراط «النصوصي - الحرفي» الذى يقف أصحابه عند ظواهر النصوص مهددين أدوات النظر العقلي في هذه النصوص وغلو التفريط «الوضعي المادي - العلماني» الذى يصنع أصحابه «بالمادية - الوضعية» صنيع الباطنية القدماء عندما يعممون التأويل ويطلقونه من ضوابطه اللغوية فيتجاوزون بدعوى التاريخية أحكام القرآن الكريم في التشريع والعقائد والأخلاق». (42)



مستقبل الفكر الاسلامي:

أمام هذه التحديات التى تواجه الفكر الإسلامي يرى بعض من يعملون في حقل الدعوة الإسلامية ان الفكر الإسلامي بخير، وأن مد الغزو الفكري قد انحسر ومن هؤلاء د. محمد سعيد البوطي «إنحسار معظم الشبهات الفكرية والعلمية المختلفة التى كانت تغشى الى وقت قريب على عقول كثير من الناشئة والمثقفين في طريق إقبالهم على الإسلام،اذ كان يدفع بها إليهم أناس احترفوا الغزو الفكري». (43)

هذا التفاؤل قد يكون في مكانه إذا نظرنا حولنا (نرى أن مد الصحوة الإسلامية بدأ يشق طريقه بكل ثقة وينفض غبار سنين جمود الفكر ،حيث نجد تجديد الفكر الإسلامي أحد المرتكزات الأساسية التي تقوم عليها الصحوة الإسلامية، (44) ولعل ثمرة هذه الصحوة الإسلامية أن تتلاقح الأفكار سواء على مستوى الجماعات الإسلامية والأحزاب، أو على مستوى الأفراد والمؤسسات الرسمية والشعبية ويتم التنسيق دفعاً للفكر الإسلامي وهذا ما أشار إليه طارق البشرى في مقاله تحت عنوان «الملامح العامة للفكر السياسي الإسلامي في التاريخ المعاصر» «إن إيجابيات الإتجاهات المختلفة وفقاً لما يمكن أن يغذى بعضها بعضاً لتتراكم في إدراك الأمة كأدوار متنوعة في نسق واحد منتظم، وأن التنوع مطلوب والكثرة نافعة متى أمكن نظم وظائفها لتجيب على الوجوه المتباينة للواقع الحال بتعقيداته وتنوعاته فيعين بعضها بعضاً ويصوب بعضها بعضاً بغير تنافٍ». (45)

كذلك مما يدعو الى التفاؤل بمستقبل الفكر الإسلامي هو أوبة بعض المتغربين الى حظيرة الإسلام حيث تبين لهم خواء الفكر الذى لجأوا إليه، ولعل هؤلاء يمثلون خير من يعيد الثقة الى المسلمين في فكرهم الإسلامي «ورغم الإمكانات الهائلة التى سخرتها السلطات الإستعمارية لدعم تيار التغريب ورعاية مسيرته ، والتى وضعت مؤسسات التعليم والتثقيف والإعلام تحت هيمنة نظرياته ورجاله.. ورغم الحصار الذى ووجه به تيار الإحياء والتجديد من أهل الجمود والتقليد ومن المتغربين جميعاً إلا أن الواقع الفكري الثقافي - بسبب الحاجة الحضارية للمشروع التجديدي وبسبب إفــــلاس أهــل التقليد وعجزهم عن تقديم المشروع الحضاري، وبسبب فجاجة الرؤى المتغربة والرفض التلقائى والطبيعي الذى تقابل به من عقل الأمة ووجدانها، بسبب هذه العوامل وغيرها تخلقت في الواقع الثقافي ظاهــرة هامة وذات دلالة ملفتة للأنظار ألا وهي: تراجع عدد كبير من الأعــلام الذين تغربوا.. وانخراطهـــم في مرحلة نضجهم الفكري بتيار الإحياء والتجديد». (46) وقد ذكر منهم الشيخ على عبد الرازق ومحمد حسين هيكل.



المصادر والمراجع:

1 .المعجم الوسيط مادة الفاء والكاف والراء

2 . لسان العرب ابن منظور الافريقي المصري . بيروت دار صادر ج5 ص 3451

3 . تاريخ الفلسفة العربية جميل صليبيا . بيروت. دار الكتاب اللبناني ط2 1973م ج2 ص154

4 . تجديد الفكر الاسلامي د. محسن عبد الحميد . هيرفدن. فيرجينيا. الولايات المتحدةالامريكية ط 1996م ص 41 .

5 . قضايا الفكر د. الترابي معهد البحوث والدراسات الاجتماعية ط2 1995 ص80 .

6 . الفكر الاسلامي د. محمد الصادق عفيفي . القاهرة مكتبة الخانجي بدون تاريخ ص 12 .

7 . مدخل الى دراسة الفكرالاسلامي د. السيد محمد عقيل . دار الحديث القاهرة ط 2004 ص 11 .

8 الفكر الاسلامي منابعه واثاره. د. احمد شلبي القاهرة. مكتبة النهضة المصرية ط2 1986م ص 85 .

9 . انظر قضايا التجديد، د. الترابي ص 68 .

10 . أزمة الفكر الإسلامي الحديث، د. محمد عمارة، دار الفكر دمشق، ط 1 / 1998م، ص81 .

11 . الأعمال الكاملة للإمام محمد عبده، دراسة وتحقيق، د. محمد عمارة، طبعة بيروت 1972م، ج 3 ص 112 - 114 .

12 . الأعمال الكاملة، محمد عبده، ص 314 .

13 . قضايا التجديد، د. الترابي، ص 69 .

14 . الإتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر د. محمد محمد حسين، ط 1980م القاهرة، ج 2، 212 .

15 . أزمة الفكر الإسلامي الحديث، د. محمد عمارة، دار الفكر دمشق، ط 1 / 1998م، ص88 .

16 . قضايا التجديد، د. الترابي، ص 75 .

17 . أزمة الفكر الإسلامي الحديث، د. محمد عمارة، ص 99 .

18 . الأعمال الكاملة، للإمام محمد عبده، ج 2 ، ص 318 .

19 . قضايا التجديد 81 .

20 . خصائص التصور الاسلامي ومقوماته. سيد قطب. القاهرة دار الشروق ط«1998مص43».

21 . المرجع السابق ص72 .

22 . المرجع السابق ص 109 .

23 . قضايا التجديد د. الترابي 96 .

24 . المرجع السابق ص 91 .

25 . المرجع السابق ص 91 .

26 . قضايا التجديد ص 95 .

27 . الثقافة الإسلامية وتحديات العصر، د. شوكت محمد عليان، دار الشواف الرياض، 1996م ص 38 .

28 . انظر كتاب المد الإسلامي لأنور الجندي.

29 . الثقافة الإسلامية وتحديات العصر، د. شوكت محمد عليان، ص 39 .

30 . الثقافة الإسلامية وتحديات العصر، د. شوكت عليان، ص 43 .

31 . انظر الثقافة الإسلامية وتحديات العصر، د. شوكت، ص 44 .

32 . أدب الإختلاف في الإسلام، د. طه جابر فياض العلواني، كتاب المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 1981م، ص 154 - 155 .

33 . قضايا التجديد، د. الترابي، ص 81 .

34 . تجديد أصول الفقه الإسلامي، د. الترابي، ص 12 .

35 . قضايا التجديد د. الترابي، ص 72 - 73 .

36 . تجديد أصول الفقه الإسلامي، د. الترابي، ص 43 .

37 . من المسؤول عن تخلف المسلمين، د. محمد سعيد رمضان البوطي، مكتبة الفارابي، دمشق، بدون تاريخ، ص 70 .

38 . من المسؤول عن تخلف المسلمين، د. البوطي، ص 48 .

39 . معالم الإسلام، محمد سعيد العشماوي، ط 1989م، القاهرة، ص 112 .

40 . انظر أسباب النزول، طبعة القاهرة، 1384هـ، ص 5 .

41 . النص الإسلامي بين الإجتهاد والجمود والتاريخية، د. محمد عمارة، دار الفكر سورية، ط1 / 1998م، ص 15 .

42 . النص الإسلامي بين الإجتهاد والجمود والتاريخية، ص 22 - 23 .

43 . هكذا فلندع الى الإسلام د. محمد سعيد رمضان البوطي مكتبة الفارابي، دمشق، بدون تاريخ، ص 4 .

44 . انظر في هذا البحث، باب الصحوة الإسلامية.

45 . الملامح العامة للفكر السياسي الإسلامي في التاريخ المعاصر، د. طارق البشرى، ضمن الحركة الإسلامية، رؤية مستقبلية، مكتبة مدبولي، 1989م، ص 175 .

46 . أزمة الفكر الإسلامي، د. محمد عمارة، ص 122 - 123 .

رجوع

 

 

 

 

 

 

   
 

2010 كافة الحقوق محفوظة للدكتور علي عيسي عبد الرحمن محمد